أسعد السحمراني

34

الأخلاق في الإسلام والفلسفة القديمة

إن الفلسفة الأخلاقية تعتمد التعميم عادة ، وتتضمن نسقا كليّا منسجما ومتكاملا لمفاهيم نظرية أخلاقية ترسم مثلا عليا للسلوك البشري ، وتصلح مقياسا يتمّ على ضوئه تقويم أي فعل أو عمل ، وعلى أساسه يكون الحكم على الأشخاص . . وإذا كان الإنسان ملزما بأن يتعايش مع ذويه ، فإن علاقاته بهم تحكمها عادة قواعد معينة ، هي هذه المثل السابقة الذكر فتكون مواقفه تجاههم على أساسها . يحتاج كلّ إنسان إلى فلسفة خلقية تحكم سلوكه ، وهذه الفلسفة هي مجمل نظرته ومفهومه لأنماط العلاقات بين الإنسان مع العقل والحس ، وبين الإنسان وسواه من المخلوقات والموجودات ، لا يخلو منها أيّ إنسان بصرف النظر عن سنّه ، ونضجه ، وثقافته ، وإن كان لا يستطيع صياغتها في نظرية مكتوبة . وهذه الفلسفة الخلقية تنطلق من العقيدة السائدة عند الجماعة أو الشخص ، ومن مجمل سمات حضارة المجتمع الذي ينتمي إليه هذا الإنسان . ولذلك يشترك فيها المفكّر والإنسان العادي ، والكبير والصغير ، والعالم والراعي ، والاختصاصي والعامل البسيط ، لأنّ كلّ إنسان هو ابن محيطه ومتكيّف معه . ولكن يجب أن نأخذ بعين الاعتبار موضوع إمكانية التطوير والتغيير ، وهذا يقوم على أساس أنه قد يستطيع المستنير ، من أبناء مجتمع ما ، أن يستكشف سلبيات فلسفة أخلاقية تسود مجتمعه فيرسم طريقا جديدا لتحقيق ما ينبغي أن يحصل لاستبدالها بما هو أفضل ، ومثل هذا الشخص يرتفع إلى مرتبة المصلح الاجتماعي . وهذا الأخير يحتاج بشكل أساسي إلى الإحاطة التامة بكل شؤون مجتمعه ، وإلى الفهم العميق والدقيق لكل ألوان الثقافة والأنشطة الاجتماعية التي تسود المجتمع موضوع الإصلاح . ولاستكشاف الفلسفة الخلقية السائدة في مجتمع من المجتمعات ، نحتاج إلى بحث علمي ميداني نتّجه فيه بالدراسة إلى مختلف مرافق المجتمع